الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

118

مناهل العرفان في علوم القرآن

نسخ الحكم ببدل أخف أو مساو أو أثقل النسخ إلى بدل يتنوع إلى أنواع ثلاثة : ( أولها ) النسخ إلى بدل أخف على نفس المكلف من الحكم السابق كنسخ تحريم الأكل والشرب والجماع بعد النوم في ليل رمضان بإباحة ذلك ؛ إذ قال سبحانه : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ، هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ . عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ . فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ، وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ . وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ . ( ثانيها ) النسخ إلى بدل مساو للحكم الأول في خفته أو ثقله على نفس المكلف ، كنسخ وجوب استقبال بيت المقدس بوجوب استقبال الكعبة في قوله سبحانه : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ . وهذان النوعان لا خلاف في جوازهما عقلا ووقوعهما سمعا عند القائلين بالنسخ كافة . ( ثالثها ) النسخ إلى بدل أثقل من الحكم المنسوخ . وفي هذا النوع يدب الخلاف : فجمهور العلماء يذهبون إلى جوازه عقلا وسمعا ، كالنوعين السابقين ، ويستدلون على هذا بأمثلة كثيرة تثبت الوقوع السمعي ، وهو أدل دليل على الجواز العقلي كما علمت . من تلك الأمثلة أن اللّه تعالى نسخ إباحة الخمر بتحريمها . ومنها أنه تعالى نسخ ما فرض من مسالمة الكفار المحاربين بما فرض من قتالهم « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ » ، ومنها أن حد الزنى كان في فجر الإسلام لا يعدو التعنيف والحبس في البيوت ، ثم نسخ